الجمعة، مايو 29، 2009

محاضرات في المنهجية 2008- 2009 --- الجزء الثالث

الفرع الثاني: المنهج التاريخي وتطبيقاته في مجال العلوم القانونية والإدارية تختلف المناهج العلمية باختلاف الموضوعات التي تدرسها، كما أن لكل منهج وظيفة خاصة ووسائل يستخدمها كل باحث في مجال اختصاصه، وعليه فالمنهج كيفما كان نوعه هو بوجه عام الطريقة التي سلكها الباحث للوصول إلى نتيجة معينة. وإذا كان الباحثون يتجنبون المناهج الخاطئة لأنها لا تقودهم إلى الحلول الصحيحة، فإنهم يحرصون على استخدام المناهج العلمية التي أثبتت نجاعتها فيسعون إلى الإجادة في استخدامها ومنه اختيار الأسلوب الملائم لكل قضية يدرسونها، ومنه فإذا كان البحث يدور حول موضوع تاريخي فإنه يتعين على الباحث أن يعتمد على المنهج التاريخي. فما هو المنهج التاريخي؟ وما هي خطوات هذا المنهج؟ وما هي تطبيقاته في مجال العلوم القانونية ؟ هذا ما سنحاول توضيحه من خلال العناصر التالية: العنصرالأول: مفهوم المنهج التاريخي. العنصر الثاني: خطوات المنهج التاريخي. العنصر الثالث: تطبيق المنهج التاريخي في مجال العلوم القانونية.
أولا: مفهوم المنهج التاريخي. للوقوف على المعنى الحقيقي للمنهج التاريخي نستعرض في البداية تعريف علم التاريخ ومن ثم تعريف المنهج التاريخي. 1( تعريف علم التاريخ. عرفه هومر هوشيث Humer Hochet ( التاريخ هو السجل المكتوب للماضي أو للأحداث الماضية.) كما عرفه (ألان نفنس) Allen Ne vins (هو وصف الحوادث أو الحقائق الماضية وكتابتها بروح النقد والبحث عن الحقيقة الكاملة.) أما (كارترـ ف ـ جود Carter.V.Good فيرى أن التاريخ واسع كاتساع الحياة نفسها وهو يضم الميدان الكلي الشامل للماضي البشري. 2( تعريف المنهج التاريخي. هو أداة علم التاريخ في تحقيق ذاته بتحقيق ما ذكرناه من العمليات والأمور كما أنه أداة التاريخ في الوصول إلى التعميمات أو القوانين التي تفيد في التنبؤ بالنسبة للمستقبل وعليه فالمنهج التاريخي هو الطريق الذي يتبعه الباحث في جمع المعلومات عن الأحداث وفحصها ونقد وتحليلها وعرضها وترتيبها وتفسيرها واستخلاص التعميمات والنتائج العامة منها من أجل التخطيط للمستقبل. ومن التعريفات التي تتمتع بالدقة والشمولية في حصر عناصر المنهج التاريخي التعريف الذي يقرر بأنه يمكن تعريفه بأنه (مجموعة الطرائق والتقنيات التي يتبعها الباحث التاريخي والمؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية وإعادة بناء الماضي بكل دقائقه وزواياه وكما كان عليه في زمانه ومكانه وبجميع تفاعلات الحياة فيه، وهذه الطريق قابلة دائما للتطور والتكامل مع تطور مجموع المعرفة الإنسانية وتكاملها ونهج اكتسابها. ثانيا: خطوات المنهج التاريخي. يرتكز المنهج التاريخي كمنهج من بين مناهج البحث العلمي الأساسية على جملة من الخطوات التي يجب على الباحث التقيد بإتباعها والالتزام بها، وهذه الخطوات هي: 1( اختيار الموضوع وتحديد المشكلة. المقصود بتحديد المشكلة العلمية التاريخية هنا هو تحديد الموضوع العلمي التاريخي الذي تقوم حوله التساؤلات والاستفسارات العلمية التاريخية الأمر الذي يؤدي إلى تحريك البحث العلمي لاستخراج الفرضيات العلمية التي تمكن من الإجابة الصحيحة والثابتة لهذه التساؤلات والاستفسارات التاريخية، فالمشكلة العلمية هي تلك الفكرة المحركة والقائدة والموجهة للبحث العلمي التاريخي حتى الوصول نظريات وقوانين علمية ثابتة وعامة تفسر وتكشف الحقيقة العلمية التاريخية. 2( جمع البيانات والمعلومات التاريخية حصرها. نظرا لحيوية وأهمية وخطورة الدور الذي تقوم به الوثائق التاريخية والمصادر، حيث أن الوثائق التاريخية هي جوهر المنهج التاريخي، لذلك يطلق البعض على المنهج التاريخي تسمية منهج الوثائق أو بحث الوثائق. لذلك يستوجب الأمر هنا التصرف لتحديد معنى الوثائق وبيان معناها اللغوي والاصطلاحي وتحديد أنواعها المختلفة وتوضيح كيفية تحليلها ونقدها وتقيمها كأداة علمية للتجريب والتحليل والتركيب للوقائع والأحداث الماضية لاستنباط الحقائق العلمية في صورة فرضيات ونظريات وقوانين عامة وثابتة ودقيقة. وتعرف الوثيقة بأنها جميع الآثار التي خلفتها أفكار البشر القدماء. كما تعرف بأنها كل ما يمكن أن يكشف لنا عن ماضي الإنسان. تقسم الوثائق إلى وثائق ومصادر أصلية ووثائق ومصادر مشتقة وغير أصلية (مراجع)، كما تقسم إلى وثائق مكتوبة وأخرى غير مكتوبة، كما تقسم إلى الروايات المأثورة والمخلفات. 3( نقد المصادر والمعلومات. تأتي مرحلة فحص وتحليل هذه الوثائق تحليلا علميا دقيقا عن طريق استخدام كافة أنواع الاستدلالات والتجريب، للتأكد منت مدى أصالة وهوية وصدق هذه الوثائق التاريخية فيما تحمله من أدلة تاريخية للحقيقة التاريخية للموضوع أو المشكلة، وتعرف هذه العملية من فحص وتحليل بعملية النقد وتتطلب في الباحث صفات خاصة مثل الحس التاريخي القوي والذكاء اللماح والإدراك العميق والمعرفة الواسعة والثقافة المتنوعة وكذا القدرة على استعمال فروع العلوم الأخرى في تحليل ونقد الوثائق التاريخية. وهناك طريقتين في نقد الوثائق هما النقد الخارجي والنقد الداخلي. النقد الخارجي يستهدف التعرف على أصالة الوثيقة التاريخية والتأكد من مدى صحتها وكذا ترميم وتصحيح الوثيقة التاريخية إذا ما طرأت عليها تطورات وتغيرات في حالتها وإعادتها إلى حالتها ووضعها الأصلي. أما النقد الداخلي فإنه يأتي بعد النقد الخارجي ويهدف للتحقق من دقة وصدق الوثائق التاريخية ومدى الثقة في المعلومات التي تحتويها وذلك عن طريق الحصول على المعلومات التاريخية الحقيقية الصادقة من الوثائق والأصول التاريخية. وتتم هذه العملية عن طريق تحليل وتفسير النص التاريخي والمادة التاريخية وهو ما يعرف بالنقد الداخلي الايجابي، وبواسطة إثبات مدى أمانة وصدق المؤلف وموضوعيته ودقة معلوماته وهو ما يعرف بالنقد الداخلي السلبي. 4( صياغة الفروض وتحقيقها. تأتي عملية التركيب والتفسير التاريخي حتى تتم وتنجز عملية التاريخي الحقيقي حيث تكشف وتفسر الحقيقة التاريخية في صورة نظرية أو قانون ثابت وعام يكشف ويفسر الحقيقة العلمية التاريخية حول حدث أو واقعة من الأحداث والوقائع التاريخية، وتتضمن عملية التركيب والتفسير التاريخي للوقائع التاريخية المراحل التالية: أ) تكوين صورة فكرية واضحة لكل حقيقة من الحقائق المحصلة لدى الباحث التاريخي وللموضوع ككل. ب) تنظيم المعلومات والحقائق الجزئية والمتفرقة والمبعثرة المحصلة وتوصيفها وتصنيفها وترتيبها على أساس معايير وأسس منطقية مختارة. ج) عملية ملء التغييرات التي تظهر بعد عملية التوصيف والتصنيف والتركيب للمعلومات والحقائق التاريخية الجزئية والمتفرقة والمتناثرة في إطار وهيكل الترتيب. 5( استخلاص النتائج وكتابة تقرير البحث. وهي مرحلة ربط الحقائق التاريخية بواسطة علاقات حتمية وسببيه قائمة بينها أي عملية التسبيب والتعليل التاريخي وهي مرحلة البحث عن التعليلات المختلفة، فعملية التركيب والبناء والاستعادة التاريخية لا تتحقق بمجرد تجميع الوثائق التاريخية بل تكمن في البحث والكشف والتفسير والتعليل عن أسباب الحوادث وعن العلاقات الحتمية والسببية التاريخية للوقائع والحوادث التاريخية. وتنتهي عملية التركيب والتفسير التاريخي باستخراج وبناء النظريات والقوانين العلمية والثابتة في الكشف عن الحقائق العلمية والتاريخية وتفسيرها وتقريرها. ثالثا: تطبيق المنهج التاريخي في مجال العلوم القانونية. يضرب القانون بجذوره في التاريخ القديم إلى أمد بعيد، فربما بدأت فكرة التشريع في الحضارة البابلية عند حامورابي فيما عرف بمدونة حامورابي وانتقلت إلى مختلف الحضارات العالمية وتطورت في شكل يقترب إلى العلم في الحضارة الرومانية فيما عرف بالألواح الإثني عشر لجو ستينيان، فدراسة الأنظمة القانونية غبر التاريخ طريق شائك محاط بمخطر الفهم الخاطئ والتزييف والذاتية لذا وجب وضع كل ذلك في بوتقة المنهج التاريخي الذي يضبط طريقة تفكير الباحث في الظواهر التاريخية وتاريخ النظم القانونية، وذلك بمقارنة الأنظمة القانونية في مختلف الحضارات وفائدة ذلك يكمن في تتبع مراحل تطور القوانين وأسباب ذلك التطور، لنستطيع من خلال الماضي تحديد خلفيات وأهداف القانون في الوقت الحاضر. يضطلع المنهج التاريخي بدور حيوي في مجال الدراسات القانونية التي تتمحور وتتركز حول الوقائع والأحداث والظواهر القانونية والتنظيمية المتحركة والمتغيرة والمتطورة باعتبارها وقائع وأحداث وظواهر اجتماعية وإنسانية في الأصل الأساسي. فبواسطة المنهج التاريخي أمكن معرفة الحقائق العلمية والتاريخية عن أصل وأساس وغاية القانون في كافة مراحل وعصور ماضي التاريخ الإنساني في غابر الأزمان بطريقة علمية صحيحة. وتزداد أهمية المنهج التاريخي منفعة وقوة في ميادين الدراسات والبحوث العلمية القانونية، لأن معظم الأفكار والظواهر والنظريات القانونية ترجع في أصولها وجذورها إلى المنهج التاريخي كحتمية علمية ومنهجية قائمة في مجال الدراسات والبحوث القانونية. يسهم المنهج التاريخي في مجال الدراسات والبحوث القانونية من خلال تمكين الباحثين في الاستعانة بالأدوات التي يوفرها هذا المنهج كمنهج علمي موثوق في نتائجه بصورة ثابتة في مجال تتبع تطور التشريعات المقارنة عبر تنوع الأمصار وكذا تعاقب المراحل التاريخية، مما يكفل إمكانية الوقوف على أنجع الآليات والوسائل القانونية بحكم تجارب سابقة من أجل الاستفادة منها في الحاضر. الفرع الثالث: المنهج التجريبي وتطبيقاته في مجال العلوم القانونية والإدارية ظهر المنهج التجريبي على يد فرانسيس بيكون Francis Bacon ) ( وذلك عقب الانتقادات التي وجهت للمنهج الاستدلالي والنزعة الفلسفية التأملية عامة، وحينها لم يكن المنهج التجريبي يعبر عن مجرد منهج علمي وإنما شكل نزعة فلسفية سميت النزعة التجريبانية، وهي تقابل النزعة العقلانية التي أسسها المنهج الاستدلالي، وقد أحدثت منعرجا هاما في تاريخ العلم، مما دعا البعض إلى القول بأن العلم الذي لا يخضع للتجربة ليس بعلم، وعليه فما هو مفهوم المنهج التجريبي؟ وما هي أسسه ومراحله؟ وما هو دوره في مجال العلوم القانونية والإدارية؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال العناصر التالية: العنصر الأول: مفهوم المنهج التجريبي. العنصر الثاني: أسس المنهج التجريبي ومراحله. العنصر الثالث: دور المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية والإدارية. أولا: مفهوم المنهج التجريبي. سنحاول تحديد مفهوم المنهج التجريبي من خلال جزئين، في الجزء الأول نتناول أهم التعريفات وفي الجزء الثاني نبين أهم مميزات هذا المنهج. 1( تعريف المنهج التجريبي. توجد عدة تعريفات للمنهج التجريبي من بينها:(هو المنهج المستخدم حينما نبدأ من وقائع خارجة عن العقل سواء كانت خارجة عن النفس إطلاقا أوباطنة فيها) (البحث التجريبي تغيير متعمد ومضبوط للشروط المحددة لواقعة معينة وملاحظة التغييرات الناتجة في هذه الواقعة ذاتها وتفسيرها) (البحث التجريبي يتضمن محاولة لضبط كل العوامل الأساسية المؤثرة في المتغير أو المتغيرات التابعة في التجربة ماعدا عاملا واحدا يتحكم فيه الباحث ويغيره على نحو معين بقصد تحديد وقياس تأثيره على المتغير أوالمتغيرات التابعة) (البحث التجريبي يقوم أساسا على أسلوب التجربة العلمية التي تكشف عن العلاقات السببية بين المتغيرات المختلفة التي تتفاعل مع القوى التي تحدث في الموقف التجريبي) (البحث التجريبي هو ذلك النوع من البحوث الذي يستخدم التجربة في اختبار فرض معين يقرر علاقة بين عاملين أو متغيرين وذلك عن طريق الدراسة للمواقف المتقابلة التي ضبطت كل المتغيرات ماعدا المتغير الذي يهتم الباحث بدراسة تأثيره) 2( مميزات المنهج التجريبي. من خلال التعريفات السابقة نستطيع أن نستنتج بعض المميزات التي يتميز بها المنهج التجريبي والتي يمكن إجمالها في الآتي: أ) المنهج التجريبي أقرب المناهج إلى الطريقة العلمية، وهذه الخاصية هي التي جعلت بعض العلماء ينادون بضرورة تميز العلم بميزة التجريب على اعتبار أن العلم الذي لا يقبل التجريب ليس بعلم، لكن هذا الرأي متطرف لأنه ينكر الكثير من العلوم التي لا تخضع للتجربة. ب) المنهج التجريبي منهج علمي خارجي إذ يعتمد على التجربة الخارجة عن العقل، أي أن التجربة هنا لا تتم داخل العقل بل تأتي من الخارج لتفرض نتائجها على العقل، وهو بهذه الميزة يختلف عن المنهج الاستدلالي الذي يعتمد على أدوات داخلية، والتجربة التي يتضمنها المنهج الاستدلالي هي تجربة عقلية داخلية. ج) يوصف كذلك بأنه منهج موضوعي، فالنتائج المتحصل عليها عن طريق التجربة تفرض نفسها على العقل حتى وإن كانت تتعارض مع رغبة الباحث أو ميولاته النفسية. ثانيا: أسس المنهج التجريبي ومراحله. يتضمن المنهج التجريبي جملة من الأسس والمقومات يخلط البعض بينها وبين المراحل والتي يمكن أن تتشابه في الألفاظ ولكنها تختلف من حيث المضمون أو الهدف. وعليه سنبين في الفرع الأول أسس ومقومات المنهج التجريبي وفي الفرع الثاني نحدد مراحل أو الخطوات المتبعة أثناء استخدام المنهج التجريبي. 1( أسس ومقومات المنهج التجريبي. يتألف المنهج التجريبي من ثلاث مقومات أساسية هي:الملاحظة أو المشاهدة الفرضيات العلمية، التجريب. أ) الملاحظة أو المشاهدة العلمية: الملاحظة العلمية هي الخطوة الأولى في البحث العلمي، وهي من أهم عناصر المنهج التجريبي وأكثرها أهمية لأنها المحرك الأساسي لبقية العناصر، والملاحظة في معناها العام الواسع هي الانتباه العفوي إلى حادثة أو واقعة أو ظاهرة دون قصد أو سابق إصرار وتعمد أو إرادة، أما الملاحظة العلمية فهي المشاهدة الحسية المقصودة والمنظمة والدقيقة للحوادث والأشياء والظواهر بغية اكتشاف أسبابها وقوانينها ونظرياتها عن طريق القيام بعملية النظر في هذه الأشياء وتعريفها وتوصيفها وتصنيفها في أسر وفصائل، كل ذلك يتم قبل عملية وضع الفرضيات والتجريب. ويقسم الفقهاء الملاحظة إلى ملاحظة بسيطة وهي التي تكون من خلال الانتباه العفوي دون استعداد مسبق، أما الملاحظة العلمية المسلحة وهي التي تتم عن قصد مسبق وتكون منظمة ودقيقة. ومن بين أهم شروط الملاحظة العلمية ما يلي: ـ يجب أن تكون الملاحظة كاملة، أي يجب أن يلاحظ الباحث الملاحظ كافة العوامل والأسباب والوقائع والظواهر، ولا يمكن إغفال أي عنصر له صلة بالموضوع أو الظاهرة. ـ يجب أن تكون الملاحظة العلمية نزيهة وموضوعية ومجردة، ولا تتأثر بفرضيات وأحاسيس سابقة. ـ يجب أن تكون الملاحظة العلمية منظمة ومضبوطة ودقيقة، أي عليه أن يستخدم الذكاء والفطنة والدقة العقلية، وكذا يستخدم وسائل القياس والتسجيل والوزن والملاحظة العلمية التكنولوجية. ـ يجب أن يكون الملاحظ مؤهلا وقادرا ويكون مختصا وعالما في ميدانه. ـ يجب تسجيل كافة الملاحظات بدقة وترتيب محكم، وكذا تجنب الأخطاء التي يكون مصدرها الملاحظ نفسه، أو الأجهزة والأدوات المستعملة. ب) الفرضيات العلمية: الفرضية أو الفرضيات تعني لغة تخمين أو استنتاج أو افتراض ذكي في إمكانية صحة تحقق واقعة معينة أو عدم تحققها ومن ثم استخراج النتائج تبعا لذلك أو هي اقتراحات ونتائج تتطلب الفحص والاختبار والتجريب للتأكد من مدى صحتها. أما الفرضيات اصطلاحا فهي التفسير المؤقت لوقائع وظواهر معينة لا تزال بمعزل عن الامتحان، وبعد امتحانها تصبح قوانين تفسر الظاهرة. وقد تكون أسباب ومصادر نشأة الفرضيات خارجية أو داخلية في ذهن الباحث بحسب طبيعة الظاهرة المدروسة. تلعب الفرضيات دورا حيويا وهاما في مجال استخراج النظريات والقوانين والتعليلات والتفسيرات العلمية للظواهر والوقائع والأشياء وهي تنبئ عن عقل خلاق وخيال مبدع وبعد النظر. ومن أهم العوامل المساعدة على خلق الفرضيات العلمية داخليا الجبرية والمثالية والتواصل والاستمرار الاتصال والتكرار. ومن شروط صحة الفرضيات يجب أن تبدأ من ملاحظات علمية، كما يجب أن تكون قابلة للتجريب والاختبار وأن تكون خالية من التناقض وأن تكون شاملة ومترابطة وكذلك متعددة ومتنوعة للواقعة أو الظاهرة الواحدة. ج ) عملية التجريب: بعد عملية إنشاء الفرضيات تأتي عملية التجريب على الفرضيات لإثبات مدى سلامتها وصحتها، وإثبات صحة الفرضيات عن طريق عملية التجريب يتطلب عدة قواعد من بينها قاعدة تنويع التجربة وقاعدة إطالة التجربة وقاعدة نقل التجربة وكل هذه القواعد وضعها فرانسيس بيكون. وإذا ثبتت صحة الفرضيات علميا ويقينيا تتحول تلك الفرضيات قواعد ثابتة وعامة، ونظريات علمية تكشف وتفسر الظواهر وتتحكم فيها. 2( مراحل وخطوات سير المنهج التجريبي. للمنهج التجريبي ثلاث مراحل متسلسلة ومترابطة ومتكاملة وهي: أ) مرحلة التعريف والتوصيف والتصنيف:وهي مرحلة نظر ومشاهدة الظواهر والأشياء الخارجية والقيام بعمليات تعريفها ووصفها وتصنيفها في قوالب وأسر وفصائل وأصناف من أجل معرفة حالة الظاهرة أو الواقعة دون محاولة التجريب والتفسير. ب) مرحلة التحليل: والهدف من هذه المرحلة هو كشف وبيان العلاقات والروابط بين طائفة الظواهر والوقائع المتشابهة وذلك بواسطة عملية التحليل المعتمدة على تفسير الوقائع والظواهر بواسطة الملاحظة العلمية ووضع الفروض العلمية من أجل استخراج القوانين العلمية العامة المتعلقة بالظواهر المشمولة بالتجربة. ج) مرحلة التركيب: وهي مرحلة تركيب وتنظيم القوانين الجزئية لاستخراج القوانين الكلية والعامة منها في صورة مبادئ عامة أولية، يكون موثوق في صحتها وعلميتها. ثالثا: دور المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية والإدارية. مع بداية القرن الثامن عشر أصبح إعمال وتطبيق المنهج التجريبي في البحوث والدراسات القانونية ميدان أصيل لهذا المنهج حيث بدأت تزدهر وتنضج النزعة العقلية العلمية الموضوعية التجريبية، وتسود حقول العلوم القانونية بصفة خاصة على حساب النزعة الفلسفية التأملية والميتافيزيقية. وعليه سنتناول في الفرع الأول تطبيقات المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية وفي الفرع الثاني تقييم وتقدير دوره في هذا المجال من البحوث العلمية. 1( تطبيقات المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية والإدارية. طبق هذا المنهج في العديد من الدراسات القانونية التي تضمنت بحوث في مجالات علاقة القانون بمبدأ تقسيم العمل الاجتماعي وعلاقة القانون بالبيئة الاجتماعية وكذا علاقة الدولة والسلطة والقانون والبحوث المتعلقة بالجريمة وفلسفة التجريم والعقاب. وكذا البحوث حول إصلاح السياسات التشريعية والقضائية موضوعيا وإجرائيا. كما طبق هذا المنهج في مجال علم الإدارة ولاسيما بعد ظهور الإدارة العلمية وبروز ظاهرة التداخل والترابط والتكامل بين ظاهرة الإدارة وعلم الاقتصاد وعلم النفس وعلم الأنثروبولوجيا. ولقد استخدم إميل دوركايم المنهج التجريبي في دراسة واكتشاف وتفسير الظواهر العلاقات التي تربط بينها في تبادل وتأثير مطرد، وذلك في كتابه المعروف (تقسيم العمل الاجتماعي) وفي مقاله المعنون بـ: ((قانونا للتطور الجنائي)) حيث استخلص العديد من النتائج والمبادئ العلمية ومن بينها حتمية حاجة الحياة الاجتماعية للقانون ليضبط العلاقات والأنساق الاجتماعية ضبطا قانونيا، كما استنتج حاجة المجتمعات البشرية إلى قوانين جنائية عند بداية نشأتهم أكثر من حاجتهم إلى القانون المدني. وقد ازدهرت استخدامات المنهج التجريبي في مجال العلوم الجنائية بعدما تم اكتشاف حتمية العلاقة والتكامل بين العلوم الجنائية وعلم النفس الجنائي وعلم الاجتماع القانوني وعلم الطب النفسي والطب العيادي وعلم الوراثة، وخصوصا بعد سيادة المدارس الجنائية العلمية التجريبية. وأكثر فروع العلوم القانونية قابلية لتطبيق المنهج التجريبي هي قانون الإجراءات والمرافعات والنظام القضائي والقانون الجنائي والعلوم الجنائية، والقانون الإداري والعلوم الإدارية نظرا لطبيعتها الخاصة وارتباطها بالواقع وكذا حركيتها وتغيرها. 2( تقدير قيمة تطبيق المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية. نظرا للدينامكية التي تتميز بها الدراسات القانونية وكذا التطور السريعة والمتزايد لكافة القواعد القانونية فهي دائما بحاجة إلى منهج علمي يوفر القابلية للتطبيق والتجاوب مع المتغيرات، وهذا ما توفر أدوات المنهج التجريبي بكافة أسسه ومراحله لأجل اكتشاف الحقيقة العلمية القانونية والإدارية بصفة تقنية نسبيا. بالرغم من صعوبة تطبيق المنهج التجريبي في ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية ومنها العلوم القانونية، إلا أن مجالات تطبيق المنهج التجريبي في ميدان العلوم القانونية كثيرة كما سبق بيان ذلك عن طريق الملاحظة العلمية الصحيحة والموضوعية للظواهر والمعطيات القانونية ووضع الفرضيات والبدائل بشأنها ثم القيام بالتجريب عن طريق التحليل والتركيب من أجل استنباط الحقائق ووضع النظريات والقوانين الثابتة. الفرع الثاني:المنهج الجدلي (الدياليكتيكي) وتطبيقاته في مجال العلوم القانونية والإدارية. تساهم مناهج البحث العلمي في إجراء البحوث العلمية بصورة منهجية دقيقة ومضبوطة وموثوق في سلامتها وعلميتها، مما يدفع الباحثين إلى حسن اختيار المنهج الملائم لطبيعة الدراسة وخصوصياتها ومن بين تلك المناهج المنهج الجدلي. فما هو المنهج الجدلي؟ وما هي قوانينه وخصائصه؟ وما مدى تطبيقه في مجال العلوم القانونية؟ هذا ما سنتناوله من خلال العناصر التالية: العنصر الأول: مفهوم المنهج الجدلي. العنصر الثاني: قوانين المنهج الجدلي وخصائصه. العنصر الثالث: تطبيق المنهج الجدلي في مجال العلوم القانونية. أولا: مفهوم المنهج الجدلي. يقوم المنهج الجدلي على أساس الحقيقة القائلة أن كل الأشياء والظواهر والعمليات والحقائق الطبيعية والاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والسياسية هي دائما في حالات ترابط وتشابك وتداخل، وهي دائما في حالات تناقض وصراع وتفاعل داخلي قوي ومحرك ودافع للحركة والتغيير والتطور والارتقاء والتقدم من شكل إلى شكل ومن حالة إلى حالة جديدة. سنتناول خلال هذا العنصر نشأة هذا المنهج ثم نبرز أهم التعريفات التي أعطيت من خلال الجزئين التاليين: 1( نشأة المنهج الجدلي. يعتبر المنهج الجدلي منهجا قديما في فلسفته وأسسه وفرضياته، حديثا في اكتمال وإتمام صياغته وبنائه كمنهج علمي للبحث والدراسة والتحليل والتفسير والتركيب والتأليف بطريقة علمية. فلقد ظهرت نظرية الجدل قديما عند الإغريق على يد الفيلسوف اليوناني هير إقليتس قبل الميلاد، والذي صاغ أساس نظرية الدياليكتيك عندما اكتشف وأعلن أن كل شيء يتحرك وكل شيء يجري وكل شيء يتغير. ولقد تطور الدياليكتيك تطورا كبيرا وجديدا على يد الفيلسوف الألماني هيجل الذي بلور وجسد تلك النظرية وبناها وصاغها صياغة علمية شاملة وكاملة وواضحة وواعية كمنهج علمي لدراسة وتحليل الحقائق والأشياء والظواهر والعمليات وتفسيرها وتركيبها علميا ومنطقيا بطريقة شاملة ومتكاملة حيث أن هيجل هو الذي اكتشف القوانين والقواعد والمفاهيم العلمية للدياليكتيك والمتمثلة في قانون تحول التبادلات الكمية إلى تبادلات نوعية وقانون وحدة وصراع الأضداد، وقانون نفي النفي. يتميز الدياليكتيك عند هيجل بأنه دياليكتيك مثالي، وعلى هذا الأساس انتقد الفيلسوف الألماني لودفيغ فور باخ النزعة المثالية عند هيجل ونادى بضرورة اتسام واتصاف الدياليكتيك بالنزعة المادية حتى يصبح موضوعيا وواقعيا وعلميا. بعدها قام كارل ماركس، وهو من أنصار الدياليكتيك الهيجلي بإعادة صياغة نظرية الدياليكتيك صياغة مادية علمية عملية، فأبقى عليها بكل نظرياتها وأسسها وفرضياتها ولكن نزع منها الطبيعة المثالية. 2( تعريف المنهج الجدلي. يعرف المنهج الجدلي بأنه ذلك المنهج الذي يبحث عن الحقيقة من داخل الظاهرة ويتتبع مراحل تغير الظاهرة بناءا على الصراع الداخلي الذي يحدث للظاهرة، على عكس المنهج التجريبي الذي يدرس الظاهرة من الخارج عن طريق الملاحظة والتجربة. كما يعرف بأنه المنهج الذي يبحث عن الأجزاء التي تكون الظاهرة ويدرس مدى تناقضها ويبحث في إمكانية حدوث صراع بين هاته الأجزاء داخل الظاهرة. ثانيا: قوانين المنهج الجدلي وخصائصه. يتكون المنهج الجدلي من جملة من القوانين ويتميز بجملة من الخصائص نوردها على النحو التالي: 1( قوانين المنهج الجدلي. قوانين الجدل هي الآليات التي يطبق بها المنهج الجدلي في دراسة الظاهرة أو هي المفاتيح التي يستطيع الباحث أن يدخل بها إلى الظاهرة ويقف عند أجزائها أو عناصرها ليرى ما تحمله من بذور فنائها أو تحولها فهو يدرس الماضي ويتنبأ بالمستقبل، يدرس سبب تغير الظاهرة في الماضي ويتنبأ بالتغير المستقبلي وهذه القوانين هي: أ‌) قانون وحدة وصراع الأضداد: كل ظاهرة تحتوي على عناصر أو أجزاء، فهذا القانون يكشف عن تناقض هذه العناصر فيما بينها إذ يؤدي هذا التناقض أو الصراع إلى تغير طبيعة الظاهرة شكلا ومضمونا. كما يؤدي إلى بقائي الشيء وتطوره. ب‌) قانون تحول التغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية: تتصارع أجزاء الظاهرة فيما بينها فتبدأ الظاهرة في التغير من الناحية الكمية أو حتى الشكلية وحينما يصل التغير الكمي إلى ذروته تتغير الظاهرة نوعيا ولا تحتمل هذا التغير الكمي على الوضع السابق أي لا تستطيع استيعابه ولا تستطيع التكيف معه إلا بوضع جديد هو الظاهرة الجديدة المفرزة. ج‌) قانون نفي النفي: حينما يصل التناقض ذروته تبدأ الظاهرة، وتبنى على أنقاضها ظاهرة تتألف من عناصر الظاهرة السابقة لكنها تختلف عنها فبعدما تتناقض هذه العناصر تتآلف من جديد لتنفي ما كان في السابق وتتخلص من عيوب الظاهرة السابقة ونفي النفي هنا النظام الصحيح. ومنه فقانون نفي النفي هو شرط التطور والبناء التصاعدي إلى الأمام، وعليه فهو يسمى قانون التطور والتقدم للظواهر والعمليات والأشياء والحقائق والحياة. 2( خصائص المنهج الجدلي. يمكن إجمال خصائص المنهج الجدلي في ثلاث خصائص أساسية هي: أ) إن الدياليكتيك منهج علمي موضوعي للبحث والتحليل والتركيب والتفسير والمعرفة، فهو يقوم على قواعد وقوانين ومفاهيم علمية موضوعية في تفسير حقائق وطباع الأشياء والظواهر والأفكار والعمليات. ب) إن الدياليكتيك منهج عام وشامل وكلي في كشف ومعرفة وتفسير كافة الحقائق والظواهر والعمليات العلمية النظرية والطبيعية والاجتماعية والسياسية والتنظيمية، وقد اكتسب المنهج الجدلي هذه الخاصية في مراحل تطوره الأخيرة. ج) كما أصبح هذا المنهج يتميز بعد تطوراته الأخيرة بأنه عملي، حيث أصبح يستخدم في الدراسات المرتبطة بموضوعات وظواهر من واقع الحياة، ولم يعد محصورا تحليل ومعرفة وتفسير وتركيب حقائق الظواهر والأشياء. ثالثا: تطبيق المنهج الجدلي في مجال العلوم القانونية. يعتبر المنهج الجدلي من بين مناهج البحث العلمي المستخدمة في مجال العلوم الاجتماعية بوجه عام والعلوم القانونية بصفة خاصة، وهكذا يضطلع هذا المنهج في نطاق النظرية الهيجلية والماركسية البينينية بدور كبير وحيوي في اكتشاف وتفسير النظريات والقوانين العلمية والتنبؤ في مجال دراسة الظواهر السياسية والقانونية بصورة موضوعية وعلمية. 1( تطبيقات المنهج الجدلي في مجال العلوم القانونية. في مجال العلوم القانونية قام ويقوم المنهج الجدلي بقسط كبير في اكتشاف وتفسير النظريات والقوانين العلمية والتنبؤ بها، فهكذا يلعب المنهج الجدلي دورا حيويا في اكتشاف القوانين العلمية المتعلقة بتفسير أصل وغاية الدولة وأصل وغاية القانون فبالرجوع لكتب المدخل لنظرية القانون والقانون الدستوري ونظرية الدولة والعلوم السياسية وعلم التنظيم الإداري، يظهر بجلاء دور المنهج الجدلي في تأصيل نظريات تفسير أصل الدولة والقانون وعلاقتهما وأغراضهما ووظائفهما. ويقوم المنهج الجدلي بدور كبير في تأصيل وتفسير ظاهرة الثورة وعلاقتها بالقانون ومبدأ الشرعية القانونية، تأصيلا وتفسيرا علميا موضوعيا سليما وصحيحا وواضحا، كما يقوم بدور فعال في تفسير ظاهرة التغير الاجتماعي وأثرها على النظام القانوني في الدولة والمجتمع. كما استخدم كارل ماركس المنهج الجدلي في الكشف وتفسير ظاهرة الثورة علميا وظهور دولة البروليتاريا والتفسير المادي الاقتصادي للتاريخ وفي الكشف عن ظاهرة القانون في المجتمع من أصله وأهدافه ووظائفه في المجتمع والدولة. كما طبق المنهج الجدلي في مجال العلوم الإدارية مما أدى إلى استنباط مبدأ المركزية الديمقراطية نتيجة لصراع وتضاد وتفاعل كل من النظام المركزي والسلطة الرئاسية ونظام اللامركزية والديمقراطية الإدارية. 2( تقدير دور المنهج الجدلي في مجال الدراسات القانونية. يعد المنهج الجدلي بقوانينه وخصائصه الذاتية من أكثر مناهج البحث العلمي صلاحية وملاءمة للدراسات القانونية المعقدة والمتشابكة والمترابطة والمتحركة والمتطورة باستمرار إذ أن المنهج الجدلي بمفهومه السابق هو المنهج الوحيد القادر على الكشف والتفسير للعلاقات والروابط والتفاعلات الداخلية للظواهر الاجتماعية والسياسية والقانونية وطبيعة القوى الدافعة والمحركة لهذه الظواهر وكيفية التحكم فيها، ومنه التنبؤ بالنتائج والنهايات الجدية المتعلقة بتطور وتقدم هذه الظواهر وكذا طريقة التحكم فيها علميا عمليا. المنهج الجدلي منهج علمي وموضوعي شامل وصالح للبحوث والدراسات العلمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية وقد نشأ وانبثق هذا المنهج في مجال الدراسات والبحوث الاجتماعية والسياسية والقانونية فهو إذن منهج أصيل بالعلوم الاجتماعية والقانونية. المطلب الثاني:المناهج العلمية الفرعية هناك من يعتبر هذه المناهج مجرد أدوات بحث لأنها لا ترقى إلى درجة المنهج العلمي، فالمنهج هو ما يضبط طريقة تفكير الباحث، بينما أدوات البحث هي التي يستعملها الباحث في تنفيذ المنهج الذي يسير عليه في بحثه فهو يستعمل المقارنة بين المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة في المنهج التجريبي ويستعمل الإحصاء لتنفيذ التجارب في المنهج التجريبي، وكذلك يستعمل المقارنة والإحصاء في البحوث التي تعتمد المنهج التاريخي، ولهذا اعتبرت المناهج الفرعية مجرد أدوات تدخل ضمن منهج من المناهج الأساسية. وبالمقابل هناك من يعتبرها مناهج علمية مستقلة، وذلك نظرا لإمكانية قيامها ببحوث خاصة ووفائها بالغرض المطلوب. ومن بين أهم تلك المناهج المنهج الوصفي والمنهج الإحصائي، ومنهج التعليق على النصوص والقرارات القضائية وإعداد استشارة قانونية. أولا: المنهج الوصفي ودوره في الدراسات القانونية. هناك نوع من البحوث يركز فيها الباحث على وصف ظاهرة معينة ماثلة في الوقت الراهن فيقوم بتحليل تلك الظاهرة والعوامل المؤثرة فيها ويتعدى البحث الوصفي مجرد الوصف إلى التحليل البيانات واستخراج الاستنتاجات ذات الدلالة والمغزى بالنسبة لمشكلة البحث. ويعتمد المنهج الوصفي على مناهج فرعية أو طرق بحث تتمثل في المنهج المسحي ومنهج دراسة الحالة والمنهج المقارن. 1( المنهج المسحي. عرفه (هويتني) بأنه محاولة منظمة لتحليل وتأويل الوضع الراهن لنظام اجتماعي أو لجماعة، وعرفه (مورس) بأنه منهج لتحليل ودراسة موقف أو مشكلة وذلك بإتباع طريقة علمية منظمة ويكون المسح دوما لدراسة موضوع ما في الحاضر وذلك بجمع البيانات وتفسيرها ثم تعميم النتائج بهدف التطبيق العلمي. ويمر البحث المسحي بالمراحل التالية: مرحلة تعريف البيئة وبيان حدودها ومرحلة الوصف الدقيق ومرحلة التحليل وإيجاد العلاقة السببية بين العوامل المختلفة. وهناك عدة أنواع من البحوث المسحية منها المسوح الوصفية والمسوح التفسيرية، والمسوح الشاملة والمسوح بالعينة، وهناك المسوح العامة والمسوح المتخصصة. أما بالنسبة لاستخدام المنهج المسحي في العلوم القانونية فإن أول من استخدمه هو (جون هوارد) John Howard حيث قام بمسح اجتماعي للوقوف على حالة المسجونين وبدأ بجمع الحقائق والأرقام عن السجن والمسجونين وأحصى السجون وقدم نتائج بحثه في مجلس العموم البريطاني وصدرت تشريعات مختلفة ترمي لإصلاح حالة المسجونين والسجون في إنجلترا. 2( منهج دراسة الحالة. إدا كانت الدراسة المسحية تدرس الظاهرة أفقيا فإن دراسة الحلة تتناول الموضوع عموديا، وهي تتبع الخطوات التالية: تصميم العينة من خلال تحديد الحالة المراد دراستها ثم مرحلة دراسة العينة وتتم عن طريق دراسة التاريخ الشخصي للحالة وتاريخ الحالة، ويجري دراسة التاريخ الشخصي للحالة للوقوف عند كل الحوادث التي مرت بالمبحوث من وجهة نظره ويتم ذلك بالإطلاع على المذكرات الشخصية التي كتبها بنفسه، أما تاريخ الحالة ويحصل على المعلومات من المحيط الذي تعيش فيه الحالة كالأسرة والمدرسة ومكان العمل. أما الإجراءات المتبعة في دراسة الحالة فهي: المقابلة الشخصية، الملاحظة المتعمقة، دراسة الوثائق والسجلات المكتوبة، وتسجيل معلومات دراسة الحالة. ويجري تطبيق منهج دراسة حالة في مجال العلوم القانونية على وجه الخصوص في العلوم الجنائية، فمثلا لمعرفة الدوافع الإجرامية يتوجب على الباحث التعمق في دراسة الحالة من أجل بناء نظريات جديدة تفسر السلوك الإجرامي. 3(: المنهج المقارن. يعتمد هذا المنهج على نتائج تم تحقيقها سابقا عن طريق مناهج بحث أخرى من أجل اختصار الوقت التي تتطلبه إعادة الدراسات من جديد، ومن بين الشروط الواجب التقيد بها عند تطبيق هذا المنهج هي: أن تكون الظواهر والأنظمة المقارنة متجانسة ويجب عزل المتغيرات. تكاد الدراسات القانونية لا تخلو من المقارنة، وذلك لأن النظام القانوني لا يمكن اكتشاف ما يكتنفه من نقص أو فراغ أو عدم انسجام إلا بمقارنته بنظم قانونية لدول أخرى، وتكاد تكون أغلب الرسائل الجامعية في العلوم القانونية دراسات مقارنة. ثانيا: المنهج الإحصائي ودوره في الدراسات القانونية. حاول الكثير من المفكرين أن يجعلوا من المنهج الإحصائي علما له قواعد وقوانين وحاول البعض أن يجعله علما تابعا للعلوم التجريبية أما التفكير الحديث فقد جعل الإحصاء أداة للقياس ومنهجا للبحث يقدم للباحث البيانات اللازمة للوصف والمقارنة من أجل إقامة النظريات. ويعتمد المنهج الإحصائي على الملاحظة وجمع البيانات ومقارنتها وتفسيرها ومن مميزات المنهج الإحصائي أنه يعتبر وسيلة جيدة للتجرد من الذاتية إذ ة تعكس النتائج الحقيقة العلمية بطريقة موضوعية، كما يتميز بتوافق النتائج التي يتوصل لها الباحثون رغم تعددهم إذا كانت الوقائع متجانسة ومتماثلة، ويتميز بأن نتائج البحث تكون في صورة كمية تعبر تعبيرا دقيقا عن الظاهرة، النتائج الكمية التي تفسر الظاهرة تسمح لنا بالتنبؤ الجيد بتطور الظاهرة مستقبلا، كما أسهم في حل العديد من المشكلات مثل الكثافة السكانية وتنامي ظاهرة الطلاق والتسرب المدرسي وغيرها. أما المراحل التي يمر بها البحث الإحصائي فهي: ـ تحديد المشكلة موضوع البحث. ـ جمع البيانات الإحصائية من المجتمع. ـ ترجمة البيانات في شكل جداول ومنحنيات بيانية. ـ تصنيف البيانات. ـ تحليل البيانات. ـ استخلاص النتائج القابلة للتعميم. أما عن دور هذا المنهج في مجال الدراسات القانونية فيظهر ذلك جليا في ما يوفره للباحث من أدوات رياضية يستطيع من خلالها ترجمة العبارات الفضفاضة مثل ( كثيرا، في غالب الأحيان ، وقلما) وتحويلها إلى أرقام دقيقة تعكس نتائج البحث وتضفي عليه طابع الدقة والعلمية. ثالثا: منهج التعليق على النصوص والقرارات وإعداد استشارة قانونية. سنتناول في هذا المطلب منهج التعليق على النصوص الفقهية والنصوص القانونية في الفرع الأول، وفي الفرع الثاني نتناول العليق على القرارات القضائية والفرع الثالث نخصصه لإعداد استشارة قانونية. 1( منهج التعليق على النصوص. سنتعرض خلال هذا العنصر إلى مسألة التعليق على النصوص الفقهية وكذا النصوص القانونية: أ) التعليق على نص فقهي. ويمر بالمراحل التالية: ـ تحديد موقع النص من خلال بعض المعلومات الخاصة بملابسات النص كي تساعدنا على فهمه ومن هذه المعلومات تاريخ صدوره، الظروف التي صدر فيها، المعلومات الخاصة بالكاتب، أهمية الموضوع، شكل النص الخارجي وأسلوبه. ـ التحليل الشكلي للنص وهنا نهتم بالوصف الخارجي للنص من حيث طول وقصر النص وعدد الفقرات التي احتواها، البناء اللغوي للنص وأسلوبه. ـ التحليل الموضوعي للنص، وهو استخراج الأفكار الجوهرية التي احتواها النص. ـ طرح إشكالية الموضوع، وهنا قد يكفي أن تطرح أسئلة محددة حول الموضوع المناقش. ـ وضع خطة للتعليق، بعد البحث في المسائل السابقة يمكن وضعها في المقدمة والدخول في الموضوع بعدها وخطة التعليق يمكن وضعها بناءا على النص محل التعليق، فيمكن أن تقسم إلى مباحث ومطالب بحسب الموضوع. ب) التعليق على نص قانوني: هناك عدة طرق للتعليق على النص القانوني كلها تعتمد على خطة منظمة حتى ترتب الأفكار في شكل منهجي يسمح بالإلمام بالنص القانوني، ومن بين تلك الطرق هذه الطريقة: ـــ مقدمة تشمل التعرف على النص، موقعه وظروف صدوره ـ الموضوع ويشمل تحليل النص شكليا وموضوعيا والإلمام بالمعنى الإجمالي للنص.ونقد النص من خلال ذكر العيوب والمميزات. ـــ خاتمة توضع فيها النتائج المتحصل عليها. 2( منهج التعليق على الحكم والقرار القضائي. هناك عدة مناهج للتعليق على الأحكام والقرارات القضائية ومن بينها : منهج يحتوي على ثلاث مراحل: ــ مقدمة تتضمن التعريف بالحكم وتاريخ صدوره والجهة التي أصدرته. ــ الموضوع ويتضمن تحليل الحكم من الناحية الشكلية والموضوعية. ــ الخاتمة وتحتوي على تقييم الحكم أو القرار. أما المنهج الذي يفرق بين الحكم والقرار القضائي فيكون على النحو التالي: التعليق على الحكم القضائي يتبع المراحل التالية: ــ سرد الوقائع وفق التسلسل الزمني. ــ الإدعاءات ويذكر طلبات المدعي ودفوع المدعى عليه. ــ المسائل القانونية. ــ المبادئ القانونية. ــ الحل الذي قدمته المحكمة الابتدائية. ــ مناقشة هذا الحل وتكون من خلال مراجعة تطبيق المبادئ على الوقائع. التعليق على قرار المجلس ويكون بنفس الخطوات ويهتم بالوقائع بشكل مفصل. التعليق على قرار المحكمة العليا يتبع الخطوات التالية: ــ عرض القرار( الأطراف، سبب الطعن، الإشكالية، الحل الذي قدمته المحكمة العليا) ــ مناقشة القرار ( نقد القرار من خلال ذكر النصوص التي تتعارض مع القرار وذكر الآراء الفقهية والاجتهادات التي تعارضه، تأييد القرار من خلال ذكر النصوص والآراء و الاجتهادات التي تؤيد القرار، والحل المقترح ويكون إما بالتأييد أو المعارضة للفرار الصادر. 3( منهج إعداد استشارة قانونية: بعد البحث والتحضير للاستشارة يتم تقسيمها كما يلي: ــ الوقائع: يجب ذكر الوقائع كاملة دون إضافة أو تعليق ولا يجوز الحكم عليها مسبقا بل يجب ذكرها كما وردت في نص الاستشارة، ويتم استبعاد الوقائع التي لا تنتج أثرا قانونيا. ــ الإجراءات: وتذكر كما وردت في نص الاستشارة حسب التسلسل الزمني لحدوثها. ــ المسائل القانونية: وتطرح في شكل أسئلة ويجب تجزئة الأسئلة فلا تطرح في شكل عام بل تجزأ إلى أسئلة فرعية حتى يمكن الإجابة عنها بصورة مرتبة. ــ الحل: وهو الإجابة على كل سؤال على حدى بحيث يذكر النص القانوني ويطبق على الواقعة. انتهى. والله ولي التوفيق

0 التعليقات:

إرسال تعليق