الفصل الثالث:مناهج البحث العلمي.
من خلال هذا الفصل سنتناول مفهوم علم المناهج في المبحث الأول والمبحث الثاني نخصصه لمناهج البحث العلمي الأساسية والفرعية.
المبحث الأول: مفهوم علم المناهج.
بادر بعض فلاسفة الغرب إلى تأسيس علم المناهج بشكل واضح، حيث ظهر بعدها كعلم مستقل له أسسه ومبادئه المعممة على شتى العلوم ومختلف ميادين البحث، ومنذ ذلك الحين انصرف اهتمام الكثير من العلماء إلى دراسة هذا العلم وتحليله وبيان كيفيات تطبيقه، وأهم ما يميز هذا العلم أن كل العلوم تسعى إلى التقرب منه وذلك لأنه المحدد الأول لمدى علمية أي معرفة من المعارف، وعليه فكل العلوم بما فيها العلوم الإنسانية تفتخر بعلميتها كلما نجحت أكثر في تطبيق المناهج العلمية فيها. فما هو علم المناهج؟ وكيف تكون؟ وما هي أهم التصنيفات التي وضعت له؟ وما مدى إمكانية إخضاع العلوم الإنسانية للمنهج العلمي؟
هذا ما سنتناوله من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف علم المناهج.
المطلب الثاني: تكوين علم المناهج.
المطلب الثالث: تصنيفات المناهج العلمية.
المطلب الرابع: مدى إمكانية إخضاع العلوم الإنسانية للمنهج العلمي.
المطلب الأول: تعريف علم المناهج.
المنهج لغة هو الطريق الواضح والسليم وتقابلها باللغة الفرنسية كلمة (Méthode) واصطلاحا يعرف المنهج بأنه «الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة، تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة.»
إذا لم تكن هناك قواعد مسبقة تحكم سير العقل في الوصول إلى الحقيقة ولكن كانت الخطوات منظمة ودقيقة فيكون المنهج تلقائي، وذلك لأن السير الطبيعي للعقل إذا لم تحدد أصوله مسبقا وكان منظما من شأنه أن يسطر لنفسه منهجا من دون الاعتماد على ما هو موجود من قواعد منهجية مسطرة مسبقا، ولكن المنهج التلقائي قد يعرض صاحبه للخطأ، وذلك لأن تفكير شخص واحد ليس كتفكير جمع كبير من علماء المناهج، أما مناهج البحث العلمي فقد جاءت عن طريق دراسات متخصصة من طرف كثير من علماء المناهج لذا فتطبيقها يضفي على نتائج البحوث نوع من الثقة.
ومنه فالمنهج هو مجموعة القواعد والقوانين التي تبين لنا أوجه الخطأ والصواب في خطوات البحث، وطرق البحث عن الحقيقة، والعلم الذي يبحث في المناهج وينتقدها و يضع قواعدها يسمى علم المناهج وقد أخذ صفة العلم لأنه يحتوي على مبادئ مشتركة بين كافة العلوم أي أن النتائج المتوصل إليها تقبل التعميم كما أنها تتصف بالتجريد.
كما يعرف المنهج العلمي بأنه:«قواعد بسيطة ومؤكدة إذا راعاها الباحث مراعاة دقيقة كان في مأمن من أن يحسب صوابا ما هو خطأ، أو هو بيان القواعد والإرشادات التي ينبغي أن نتبعها لكي نستخدم ملكاتنا العقلية على الوجه الأكمل.»
كما عرف المنهج بأنه: « فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار، إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون لها جاهلين، أو من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون لها عارفين.»
استخدمت كلمة علم المنهجية أو علم المناهج(Méthodologie)لأول مرة على يد الفيلسوف (كانت) (KENT)، وذلك عندما قسم المنطق إلى قسمين أساسيين هما:
1)ـ مذهب المبادئ وهو الذي يبحث في الشروط والطرق الصحيحة للحصول على المعرفة.
2)ـ علم المناهج الذي يهتم بتحديد الشكل العام لكل علم وتحديد الطريقة التي يتكون ويتشكل بها أي علم من العلوم.
فعلم المناهج هو العلم الذي يبحث في مناهج البحث العلمي والطرق العلمية التي يكتشفها ويستخدمها العلماء والباحثون من أجل الوصول إلى الحقيقة، ومنه نصل إلى أن علم المناهج هو العلم الدارس والباحث للمناهج العلمية المختلفة.
المطلب الثاني: تكوين علم المناهج.
المقصود بتكوين علم المناهج هنا هو بيان كيفية تكوين المناهج العلمية، وما نصيب كل من العالم المتخصص في ميدان علمه والفيلسوف المنطقي في تكوين قواعد ومبادئ وقوانين المناهج العلمية، وبمعنى آخر هل يتم تكوين المناهج بواسطة رجال المنطق والفلاسفة مسبقا ويضعونه في صورة مبادئ وقواعد علمية يجب على الباحث والعالم المتخصص أن يلتزم بها مقدما ويسير على هديها خلال القيام ببحوثه العلمية أم هي من اختراع واكتشاف الباحث والعالم المتخصص في ميدان علمه.
أثار هذه المشكلة بصورة واضحة وحاسمة كلود برنار Claude Bernard في كتابه (المدخل لدراسة الطب التجريبي) حيث يقرر أنه يجب على العالم والباحث المتخصص ألا يتقيد بمنهج ومذهب فلسفي معين أثناء القيام بأبحاثه العلمية لأن المناهج لا يمكن أن تدرس نظريا كقواعد وقوانين نظرية ولكن هي تتكون داخل الميدان والمعمل. أما الدكتور عبد الرحمان بدوي فإن له رأي آخر مضمونه هو حتمية تكامل وتعاون وتساند كل من العالم المتخصص والفيلسوف المنطقي في تكوين المناهج وعلم المناهج، ويرى أن ما طرحه كلود برنار صحيحا حيث أن مناهج البحث العلمي في تطبيقاتها على مختلف فروع العلوم والمعرفة ولكن هذا الرأي ليس صحيحا بالقول بإنفراد العالم المتخصص بخلق وتكوين مناهج البحث العلمي دون مشاركة العالم المنطقي والفيلسوف المفكر.
وعليه فعملية تكوين مناهج البحث العلمي وعلم المناهج عملية يشترك فيها العالم المتخصص والفيلسوف المنطقي بصورة تكامل وتعاون وتساند بحيث يقوم العالم المتخصص في مرحلة أولى ببيان المنهج الذي اكتشفه واتبعه في بحوثه ودراسته العلمية المتخصصة في نطاق علم من العلوم ثم يقدم تقريرا أو أطروحة أو مقالا عن ذلك، ثم يأتي دور علم آخر أوسع علما وأفقا ذو عقلية تأملية شمولية وعامة ليقوم بعملية ملاحظة مراقبة وتنسيق بين التقارير والنتائج التي يتوصل إليها العلماء المتخصصون في مختلف فروع العلوم.
ومنه نصل إلى أن كافة المناهج العلمية صالحة لبحث في كافة العلوم، فليس هناك تخصص أو تخصيص للمناهج.
كما أنه يمكن استخدام كافة المناهج العلمية في بحث علمي واحد وفي نطاق علم معين واحد بشكل استخدام تكافل وتعاون وتساند كافة هذه المناهج في انجاز بحث علمي كامل وشامل ذو براهين يقينية ثابتة ومطلقة.
المطلب الثالث: تصنيفات المناهج العلمية.
هناك جملة من التصنيفات التقليدية والحديثة نتناولها في الفرعين التاليين:
الفرع الأول: التصنيفات التقليدية لمناهج البحث العلمي.
تم تصنيف مناهج البحث العلمي تقليديا إلى عدة تصنيفات نذكر من بينها ما يلي:
ـ المنهج التحليلي والمنهج التركيبي: المنهج التحليلي الإكتشافي أو منهج الاختراع وهو يستهدف الكشف عن الحقيقة، أما المنهج التركيبي أو ألتأليفي الذي يقوم بتركيب وتأليف الحقائق التي تم اكتشافها أو اختراعها بواسطة المنهج التحليلي وذلك بهدف تعليمها ونشرها للآخرين. ما يعاب على هذا التصنيف أنه ناقص لأنه يتحدث عن الأفكار فقط ولا يشمل القوانين والظواهر كما أنه لا يصلح لكافة فروع العلم والمعرفة.
ـ المنهج التلقائي والمنهج العقلي التأملي: المنهج التلقائي هو ذلك المنهج الذي يسير فيه العقل سيرا طبيعيا نحو المعرفة أو الحقيقة دون تحديد سابق لأساليب وأصول وقواعد منظمة، أما المنهج العقلي التأملي فهو ذلك المنهج الذي يسير فيه العقل والفكر في نطاق أصول وقواعد منظمة ومرتبة من أجل اكتشاف الحقيقة أو الحصول على المعرفة.
هذا التصنيف كذلك منتقد لأنه تحدث عن طرق ووسائل الحصول على المعرفة والشروط العقلية العلمية وليس على مناهج البحث العلمي كمناهج لها أصول وقواعد وقوانين.
الفرع الثاني: التصنيفات الحديثة لمناهج البحث العلمي.
يمكن إجمال التصنيفات الحديثة من خلال الرجوع إلى الفقهاء الذين نادوا بها ونتناولها على النحو التالي:
ـ تصنيف هويتني(Whitney):رتب الفقيه هويتني المناهج العلمية على النحو التالي:
1) المنهج الوصفي.
2) المنهج التاريخي.
3) المنهج التجريبي.
4) البحث الفلسفي.
5) البحث التنبؤي.
6) البحث الاجتماعي.
7) البحث الإبداعي.
ـ تصنيف ماركيزMarquis)): رتب ماركيز مناهج البحث العلمي على النحو التالي :
1) المنهج الأنثروبولوجي (الملاحظة الميدانية).
2) المنهج الفلسفي.
3) منهج دراسة الحالة.
4) المنهج التاريخي.
5) منهج المسح.
6) المنهج التجريبي.
ـ تصنيف جود و سكايتس Good et Scates : رتب هذان الفقيهان مناهج البحث العلمي إلى:
1) المنهج التاريخي.
2) المنهج الوصفي.
3) منهج المسح الوصفي.
4) المنهج التجريبي.
5) منهج دراسة الحالة والدراسات الإكلينية.
6) منهج دراسات النمو والتطور والوراثة.
كل هذه التصنيفات بالغ أصحابها في تحديد مناهج البحث العلمي حيث أقحموا بعض أنواع البحوث وطرق الحصول على المعرفة والثقافة وكذا بعض أجزاء المناهج الأصلية.
لكن هناك مناهج أصلية وأخرى فرعية متفق عليها من طرف العلماء وكتاب علم المناهج وهي على النحو التالي:
المناهج الأصلية : المنهج الاستدلالي ـ المنهج التاريخي ـ المنهج التجريبي ـ المنهج الجدلي أو الدياليكتيكي.
المناهج الفرعية: وتظم كل المناهج الأخرى التي لم يتم الاتفاق حول اعتبارها مناهج أصلية ومن بينها المنهج الوصفي والمنهج الإحصائي والمنهج التحليلي والمنهج المقارن وغيرها من مناهج البحث الأخرى.
المطلب الرابع: مدى إمكانية إخضاع العلوم الإنسانية للمنهج العلمي.
لم يقبل العلماء بسهولة في السابق فكرة تطبيق مناهج البحث العلمي على العلوم الإنسانية، حيث كانوا ينظرون إليها على أنها ليست علوما وذلك لما تحدثه العلوم الإنسانية من لبس في المفاهيم نظرا لخصائصها المتنوعة والمتمثلة في:
ـ الظواهر السلوكية معقدة ومتشابكة.
ـ الظواهر السلوكية ديناميكية وسريعة التغيير والتفاعل.
ـ فقدان التجانس بين الظواهر السلوكية.
ـ صعوبة استخدام الطرق المختبرية.
ـ التحيز والميول الشخصي للباحث.
أهم قاعدتين طرحهما علماء العلوم الإنسانية من أجل تذليل الصعوبات التي تعوق البحث العلمي في هذا المجال هما:
1) اعتبار الظواهر الاجتماعية أشياء عند دراستها فالشيء هو كل ما يصلح أن يكون مادة للمعرفة ومنه تصبح مثل الظواهر الطبيعية قابلة للإدراك من خارج ذاتية الباحث.
2) استبعاد كل العوامل النفسية التي تبعث في نفس الباحث الشعور بالقهر الاجتماعي هذا ما دعا إليه (إيميل دور كايم) من أجل عزل الظواهر الاجتماعية عن فكر ووعي الباحث وجعلها كأنها كيان قائم بذاته خارج مجال التأثير على الفرد.
المبحث الثاني:المناهج العلمية الأساسية والفرعية.
سنخصص المطلب الأول للمناهج الأساسية والمطلب الثاني للمناهج الفرعية.
المطلب الأول: المناهج العلمية الأساسية.
المتفق عليه بين علماء القانون وكتاب علم المناهج هو أن المناهج العلمية الأساسية هي: المنهج الاستدلالي ـ المنهج التاريخي ـ المنهج التجريبي ـ المنهج الجدلي أو الدياليكتيكي. هذا ما سنتناوله خلال الفروع التالية:
الفرع الأول: المنهج الاستدلالي وتطبيقاته في مجال العلوم القانونية والإدارية.
إذا كانت مناهج البحث العلمي هي الطرق والوسائل المؤدية إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم المختلفة بواسطة مجموعة من القواعد والقوانين العامة التي تحكم وتنظم سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتائج معلومة ومن بين المناهج الأساسية والأصلية المعروفة في ميادين البحوث العلمية بوجه عام وفي ميدان العلوم القانونية على وجه الخصوص المنهج الاستدلالي. فما هو المنهج الاستدلالي؟ وما مدى صلاحية وإمكانية تطبيقه كعملية منطقية عقلية وممارسة سلوكية في نطاق العلوم القانونية؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال العنصرين التاليين:
أولا: مفهوم المنهج الاستدلالي.
ثانيا: نطاق تطبيق المنهج الاستدلالي في مجال العلوم القانونية.
أولا: مفهوم المنهج الاستدلالي.
يعد المنهج الاستدلالي من بين مناهج البحث العلمي الأساسية والأصلية التي أسهمت من خلال قواعدها في إرساء أسس ومبادئ تسهل على الباحث سلوك أيسر السبل للوصول إلى الحقائق والأهداف المبتغاة، وعليه فمن خلال هذا العنصر سنحاول تعريف المنهج الاستدلالي وتحديد مبادئ الاستدلال وأدواته في الأجزاء التالية:
(1 تعريف المنهج الاستدلالي.
لمعرفة المنهج الاستدلالي يجب في البداية تحديد معنى الاستدلال ثم توضيح معنى النظام الاستدلالي.
أ) معنى الاستدلال.
يعرف الاستدلال بأنه (البرهان الذي يبدأ من قضايا مسلم بها ويسير إلى قضايا تنتج عنها بالضرورة، دون الالتجاء إلى التجربة، وهذا السير قد يكون بواسطة القول أو بواسطة الحساب). كما يعرف بأنه (عملية عقلية يبدأ بها العقل من قضايا يسلم بها، ويسير إلى قضايا أخرى تنتج عنها بالضرورة).
والاستدلال وإن كان ميدانه الأصلي علم الرياضيات، فإن تطبيقاته لا تقتصر على هذا العلم فحسب، بل تشمل سائر العلوم الأخرى، فالقاضي مثلا يعتمد على الاستدلال في البحث عن الحل القانوني للقضية، فهو يستدل اعتمادا على ما لديه من نصوص. وفي الميدان التجاري والاقتصادي يستدل المضارب وفقا للمعروض والمطلوب من الأوراق المالية.
لتحديد مفهوم الاستدلال يجب التفرقة بينه وبين البرهنة فالاستدلال هو الانتقال من قضايا إلى قضايا أخرى ناتجة عنها بالضرورة وفقا لقواعد منطقية، أما البرهنة فهي أخص من الاستدلال، إذ تدلنا على صدق النتائج لأنها تقوم على التسليم بصدق المقدمات،أما الاستدلال فهو يدلنا على صدق المقدمات انطلاقا من صحة النتائج المتوصل إليها، فالبرهنة إذا هي جزء من الاستدلال نستعملها في حالة الحاجة إلى إثبات صدق النتائج.
ب) معنى النظام الاستدلالي.
يقوم النظام الاستدلالي على المبادئ والنظريات، فالعملية الاستدلالية تبدأ من نظريات ومبادئ مستنتجة منها منطقيا وهذه الأخيرة تكون مقدمات لنظريات ومبادئ أخرى، وهكذا يتشكل نظام الاستدلال.
2( مبادئ الاستدلال.
مبادئ الاستدلال هي القضايا الأولية غير المستنتجة من غيرها، لذا تعتبر نقطة البداية في كل استدلال، ويقسم رجال المنطق مبادئ الاستدلال إلى ثلاثة مبادئ هي: البديهيات ـ المسلمات ـ التعريفات.
أ) البديهيات.
تعرف البديهية بأنها (قضية بينة بذاتها، وليس من الممكن أن يبرهن عليها وتعد صادقة بلا برهان عند كل من يفهم معناها) من خلال هذا التعريف يتبين أن البديهية تمتاز بالخصائص التالية:
1) أنها بينة نفسية أي تتبين للعقل تلقائيا دون الحاجة إلى برهان.
2) هي أولية منطقية أي أنها غير مستنبطة من غيرها.
3) هي قاعدة صورية عامة، لأنها تقبل من كافة العقول ولا تخص فرعا واحدا من العلوم.
ب) المسلمات ( المصادرات).
المسلمة هي (فكرة يصادر على صحتها ويسلم بها تسليما، مع عدم بيانها بوضوح للعقل، ولكننا نتقبلها نظريا لفائدتها ولأنها لا تؤدي إلى تناقض ومنه يتبين لنا أن المسلمات أقل يقينا من البديهيات.
ج) التعريفات.
التعريف تعبير عن ماهية الشيء المعرف بمصطلحات مضبوطة بحيث يصبح التعريف جامعا مانعا، يجمع كل صفات الشيء ويمنع دخول صفات أوخصائص خارجة عنه وهو قضية أولية تبنى من خلاله كل الاستدلالات التي توصل إلى نتائج غير متناقضة مع العلم والواقع، وهو على خلاف البديهيات والمسلمات لا يعتبر قضية عامة ومشتركة، فهو يخص الشيء وحده دون غيره.
3( أدوات الاستدلال.
تقتضي العملية الاستدلالية أدوات معينة يستخدمها الباحث لاستخراج النظريات والمبادئ من القضايا الأولية أو المقدمات، وهذه الأدوات هي:
أ) البرهان الرياضي.
هو عملية منطقية تنطلق من قضايا أولية صحيحة إلى قضايا أخرى ناتجة عنها بالضرورة وفقا لقواعد منطقية خالصة، ويصفه العلماء بأنه مبدع وخلاق لأن النتائج المتوصل إليها لم تشتمل عليها المقدمات لا ضمنيا ولا صراحة، فهو يأتي دوما بحقيقة جديدة.
ب) القياس.
هو عملية منطقية تنطلق من مقدمات مسلم بصحتها، ويصل إلى نتائج غير مضمون صحتها، فهو عبارة عن تحصيل حاصل، وتكون النتائج موجودة في المقدمات بطريقة ضمنية.
ج) التجريب العقلي.
هو قيام الباحث داخل عقله بكل الفروض والتجارب التي يعجز عن القيام بها في الخارج، وهو يختلف عن المنهج التجريبي الذي يعتمد على الملاحظة والفرضية والتجارب الخارجية المادية، بينما في التجريب العقلي التجارب تكون داخل العقل فحسب.
د) التركيب.
هو عملية منطقية علمية تنطلق من مقدمات صحيحة إلى نتائج معينة وهذه المقدمات الصحيحة ناتجة عن عملية استدلالية منطقية فيتم التأليف بين هذه النتائج للوصول إلى نتائج أخرى هكذا.
ثانيا: نطاق تطبيق المنهج الاستدلالي في مجال العلوم القانونية.
كانت أكثر تطبيقات المنهج الاستدلالي أثناء سيادة العقلية التأملية على العلم منذ عصر اليونان، وبعدها طبق هذا المنهج في الدراسات القانونية حيث كان الارتباط شديدا بين الفلسفة والقانون، وكان ينظر إلى القانون على أنه علم ثابت وجامد ولهذا كانت كل الدراسات تنطلق من مبادئ ثابتة تأخذ شكل المصادرات وهي في أغلبها قواعد عقلية، ومن بين الدراسات التي طبق فيها المنهج الاستدلالي تفسير أصل وغاية الدولة والقانون وظاهرة السلطة والأمة وظاهرة الجريمة والديكتاتورية والديمقراطية والثورة. وبالتالي فقد أسهم المنهج الاستدلالي في بناء العلوم القانونية ومازال يطبق بشكل كبير فيها وسنتناول فيما يلي كيفيات تطبيقه على المستوى القضائي وعلى المستوى التشريعي.
1( تطبيق المنهج الاستدلالي في مجال القضاء.
يتلخص دور المنهج الاستدلالي في القضاء في إرشاد القاضي لحل النزاع من خلال حكم قضائي يكون نتيجة لعمليات استدلالية منطقية يقوم بها القاضي بدأ من تكييف الوقائع إلى غاية إصدار الحكم.
أ) دور المنهج الاستدلالي في تكييف المسألة محل النزاع.
يتم التكييف من طرف القاضي من خلال البحث حول ما إذا كانت المسألة مسألة وقائع أو مسألة قانون وأثر التفرقة مهم، لأن رقابة محكمة النقض تكون فقط على المسائل القانونية من دون المسائل الواقعية، وعليه فالقاضي يطبق القياس لتكييف المسائل المعروضة عليه.
ب) دور المنهج الاستدلالي في حل النزاعات القانونية.
وهنا نبحث كيفية اعتماد القياس المنطقي كمنهجية معتمدة في حل النزاعات القانونية.وهنا يتم بناء القياس على النحو التالي:
مقدمة كبرى: وهي المبدأ القانوني .
مقدمة صغرى: وهي الوقائع المادية,
النتيجة : وهي الحكم أي تطبيق المبدأ القانوني على الوقائع المادية وهذه الطريقة في القياس تسمى بـ القياس الاقتراني الحملي.
2( تطبيق المنهج الاستدلالي في مجال التشريع.
يستعين المشرع في إصدار التشريعات الجديدة بالمنهج الاستدلالي فينطلق من القواعد القانونية كمقدمات كبرى ليصل إلى قواعد أخرى عن طريق القياس فيمنع فعلا ما انطلاقا من منعه لفعل أخر منصوص عليه كلما كان للمنع نفس السبب أو العلة والمثال على ذلك هو منع التعامل بالمخدرات انطلاقا من مقدمة كبرى تتمثل في منع كل الأشياء التي تذهب العقل وتمنع الإدراك.
3( تقدير تطبيق المنهج الاستدلالي في مجال العلوم القانونية.
لقد وجه العلماء انتقادات كبيرة لتطبيق المنهج الاستدلالي في مجال العلوم القانونية وأهم هذه الانتقادات ما يلي:
ـ الأول موجه للمبادئ التي يقوم عليها المنهج الاستدلالي وهي البديهيات والمسلمات والتعريفات، وهي كلها قضايا لا يمكن البرهنة على صحتها.
ـ والثاني تطبيق المنهج الاستدلالي لا يخدم العلوم القانونية لأن